وهبة الزحيلي

167

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

واقرؤوا إن شئتم : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة 32 / 17 ] . ثم ذكر تعالى عقاب قارون فقال : فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ أي بعد أن اختال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم ، زلزلنا به وبداره الأرض ، فابتلعته وغاب فيها جزاء بطره وعتوه ، كما ثبت في صحيح البخاري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « بينما رجل يجرّ إزاره ، إذ خسف اللّه به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة » . فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ أي ما أغنى عنه ماله ولا حاشيته ، ولا دفعوا عنه نقمة اللّه ونكاله ، ولا كان هو في نفسه منتصرا لها ، فأصبح لا ناصر له من نفسه ولا من غيره . ولا داعي لبيان أسباب الخسف المروية في التفاسير ، فإنها كما ذكر الرازي في أكثر الأمر متعارضة مضطربة ، والأولى طرحها ، والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن ، وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب « 1 » . وحينئذ ظهرت العبرة للمعتبر ، وتبين المفتونون بمال قارون حقيقة الأمر : وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ : وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ أي صار الذين رأوه في زينته وتمنوا في الماضي القريب أن يكونوا مثله يقولون : ألم تر أن اللّه يمدّ الرزق لمن يشاء من خلقه ويضيقه على من يشاء ، وليس المال بدال على رضا اللّه عن صاحبه ، فإن اللّه يعطي ويمنع ، ويضيق ويوسّع ، ويخفض ويرفع ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة ، كما

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 25 / 18 .